منتدى يسوع الفادى
<img alt="" src="https://i.servimg.com/u/f62/13/82/15/25/yaso3y12.gif"><br><br><span style="FONT-SIZE: 18px; LINE-HEIGHT: normal"><font color="blue"><strong>مرحبا بك
عزيزي الزائر.</strong> <strong>المرجوا منك أن</strong> <strong>تعرّف
بنفسك</strong> <strong>و تدخل المنتدى معنا</strong></font><br><br><font color="blue"><strong>. إن لم يكن لديك حساب بعد,</strong> </font><strong><font color="blue">نتشرف بدعوتك لإنشائه</font></strong><br><br><strong><font color="blue">بالضغط على </font>(<font color="red">التسجيل</font>)<font color="blue">
.سلام المسيح معك</font></strong></span><br><img alt="" src="https://i.servimg.com/u/f62/13/82/15/25/thank510.gif"><br>

منتدى يسوع الفادى

منتدى يسوع الفادى يحتوى على اجدد الافلام المسيحيه والترانيم الروحيه ومعجزات القديسين والقصص الروحيه ومنتدى خاص للاعضاء للترفيه والفرفشه وبرامج الكمبيوتر والموبايل وقسم خاص بام النور و طلبات الصلوات ودردشه
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 إرميا...........................

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
fouad



عدد المساهمات : 199
نقاط : 356
تاريخ التسجيل : 08/07/2009
العمر : 62
الموقع : وطني

مُساهمةموضوع: إرميا...........................   الجمعة يوليو 10, 2009 1:43 am

إرميا ومن هو !! ؟

وقد تباينت أفكار الشراح حول معنى الاسم ، فبينما يراه جيروم « مرفوع الـــرب » وجسينيس « معين الرب » يعتقد جنجستنبرج أن الاسم يعنى « اللّه يرمى » ، أو الذى أخرجه إلى الممالك والشعوب ، وقذف به ليقلع ويهدم ويهلك وينقض ويبنى ويغرس ، ويوجـد من اعتقـــــــد أن المعنى « اللّه يؤسس » .. وعلى أية حال ، فإن هذا الأفكار جميعاً تحدثنا عن ذلك الإنسان الذى صوره اللّه من بطن أمه ، وأخرجه من الرحم ، وأقامه : « مدينة حصينة وعمود حديد وأسوار نحاس على كل الأرض ، لملوك يهوذا ولرؤسائها ولكهنتها ولشعب الأرض . فيحاربونك ولا يقدرون عليك لأنى أنا معك يقول الرب لأنقذك » " إر 1 : 17 - 19 " أو كما وصفه ماكرتنى : « إن الأمم تنجب أبطالها فى بداءة أو نهاية تاريخها ، أى فى مخاض الولادة أو غصص الموت ، وكان إرميا هو نبى إسرائيل ، لما دنت شمس أورشليم للغروب . فنراه واقفاً كعمود من فولاذ، فى وسط الدخان والظلام ، والحريق والدمار الذى ألم بها » ... وكان إرميا بن حلقيا الكاهن ، والذى يعتقد كثيرون أنه كان الكاهن العظيم فى أيام يوشيا الملك ، والذى وجد سفر الشريعة فى بيت الرب ، وإن كان آخرون يعتقدون بأن حلقيا أبا إرميا لم يكن رئيس الكهنة ، بل كان واحداً منهم فقط ، وأنه غير حلقيا رئيس الكهنة العظيم،... وعلى أية حال ، فإن إرميا كان من الكهنة الذين ولدوا فى عناثوث الواقعة فى سبط بنيامين ، والتى كانت تبعد ثلاثة أميال إلى الشمال الشرقى من أورشليم !! .. وكان يتنقل بين المدينتين ، وإن كان قد قضى الشطر الأكبر من حياته فى أورشليم !! ..

ولعلنا لا نستطيع أن نفهم الرجل حق الفهم ، قبل أن نعرف العصر الذى عاش فيه ... كان عصره من أقسى العصور ، وأكثرها ازدحاماً بالصراع ، إذ كانت هناك ثلاث ممالك تتنازع السلطة العالمية ، ونعنى بها آشور ، ومصر ، وبابل . وقد ظلت لآشور السيادة قرابة قرنين من الزمان وكان لها القدح المعلى فى أيام إشعياء فى القرن الثامن قبل الميلاد ، وكان آشور بنيبال بن أسرحدون وحفيد سنحاريب آخر الملوك العظماء فى تلك الدولة القديمة ، وقد حكم أسرحدون - خلال حكم منسى - اثنى عشر عاماً بيد قوية ، وقد غزا مصر فيها مرتين ، كما استطاع أن يقضى على المقاومة الآتية من الشعوب الغربية ، ولكنه عجز عن السيطرة على صخرة صيداء ، وقد كانت حياة ابنه آشور بنيبال حافلة بالحروب ، وهو الذى أخذ منسى إلى بابل وأطلق سراحه بعد ذلك،.. على أن مصر وبابل أخذتا بععد ذلك فى النهوض ، وابتدأ الضعف يخيم على آشور، والأرجح أن أرميا أضحى نبياً للّه فى سنة وفاة آشور بنيبال ، الذى أعقبه ملك ضعيف غير معروف ، ومن ثم أخذت بابل الدولة الفتية طريقها لا إلى التخلص من آشور فحسب ، بل إلى السيطرة والقوة ، .. وقد تحالفت مصر مع آشور ضد بابل حتى سقطت نينوى فى عام 612 ق. م ، وانتهت الدولة الأشورية تماماً فى عام 506 ق.م. بظهور نبوخذ ناصر فى الميدان ، وقد أخطأ يوشيا كما علمنا فى تصديه لفرعون نخو ملك مصر عندما ذهب للحرب فى مجدو ، وسقط يوشيا قتيلا فى المعركة ، وتولى ابنه يهوحاز الملك ، ولكن فرعون أسره وأخذه إلى مصر وملك أخاه يهوياقيم أحد عشر عاماً اتسمت بالأنانية والظلم والقسوة ، وكانت النتيجة أن نبوخذ ناصر ملك بابل جاء واستعبد الشعب استعباداً مريراً ، ودمر أورشليم والهيكل تدميراً رهيباً !! ..

ومن المعتقد أن إرميا صار نبياً ، وهو ما يزال غضاً صغيراً ، وفى الغالب ، فى العشرين من عمره وكان ذلك فى السنة الثالثة عشرة من حكم يوشيا أو عام 626 ق.م.، أو ما يقرب من خمس سنوات ، قبل اكتشاف سفر الشريعة وقيام يوشيا بإصلاحه العظيم ، وقد استمرت نبوته أكثر من أربعين عاماً ، وشاهد بعينيه تحقيق الكثير من نبواته ، إذ رأى خراب أورشليم ، وقد كان بداخلها وهى محاصرة ، وعندما دمرت عام 586 ق.م. ، وكانت معاملة نبوخذ ناصر لأرميا طيبة ، إذ سمح له بالبقاء فى المدينة المخربة ، مع المندوب الملكى جدليا المعين من قبل بابل . لكن الأحداث تتابعت بعد ذلك إذ قتل جدليا ، ... ومن الغريب أن الهاربين من المدينة إلى مصر ، رغم ارتدادهم عن اللّه ، كانوا فى حاجة إلى من يرشدهم إلى الحقيقة والمصير ، ولذا أمسكوا بإرميا وأجبروه على الذهاب معهم إلى مصر رغم عدم رغبته ، وفى مصر كانت آخر نبواته فى تحفنحيس ، ويقول التقليد إن اليهود هناك أيضاً لم يطيعوا صوت اللّه فيه ، ورجموه ، فمات فى مصر !! ..

عاش إرميا طوال حياته ، وهو أشبه الكل بالجندى الذى يعيش فى أتون المعركة وقعقعة السلاح فيها ، ... والجندى فى العادة ليست له الفرصة الهادئة المريحة ، التى يسكن فيها إلى بيت وولد ، ثم أمر الرب إرميا أن يعيش أعزب دون زوج أو ولد : « ثم صار إلى كلام الرب قائلا : لا تتخذ لنفسك امرأة ولا يكن لك بنون ولا بنات فى هذا الموضع ، لأنه هكذا قال الرب عن البنين وعن البنات المولودين فى هذا الموضع وعن أمهاتهم اللواتى ولدنهم وعن آبائهم الذين ولدوهم فى هذه الأرض ، ميتات أمراض يموتون . لا يندبون ولا يدفنون بل يكونون دمنة على وجه الأرض وبالسيف والجوع يفنون وتكون جثثهم أكلا لطيور السماء ولوحوش الأرض . لأنه هكذا قال الرب : لا تدخل بيت النوح ولا تمضى للندب ولا تعزهم لأنى نزعت سلامى من هذا الشعب يقول الرب الإحسان والمراحم . فيموت الكبار والصغار فى هذه الأرض . لا يدفنون ولا يندبونهم ولا يخمشون أنفسهم ولا يجعلون قرعة من أجلهم ... ها أنذا مبطل من هذا الموضع أمام أعينكم وفى أيامكم صوت الطرب وصوت الفرح ، صوت العريس وصوت العروس » " إر 16 : 1 - 9 "... وكان إرميا هنا أشبه بالرسول بولس الذى عاش حياته أعزب ، ولم يكن له متسع ، فى زمن الضيق والتعب والاضطهاد أن يتزوج . ... بل إن الرسول أوصى : « فأظن أن هذا حسن لسبب الضيق الحاضر ، أنه حسن للإنسان أن يكون هكذا ، أنت مرتبط بامرأة فلا تطلب الانفصال . أنت منفصل عن امرأة فلا تطلب امرأة » "1 كو 7 : 27 : 28 " ..

كان إرميا - فى حد ذاته - رمزاً ومثالا الكلام الذي ينادى به ، وكان من أكثر الأنبياء الذين صوروا الحياة فى صور عملية رمزية ، فالعلاقة بين اللّه وإسرائيل أشبه بالمنطقة التى يتمنطق بها الرجل ، وستبقى المنطقة سليمة وجميلة ، طالما هى على الحقوين ، .. لكن يطلب إليه أن يذهب بهذه المنطقة إلى نهر الفرات ويطمرها هناك ثم يرجع ليأخذها . وإذا بها قد فسدت لا تصلح لشئ ، ... ولعلنا نلاحظ أن هذه المنطقة كما صورها فى الأصحاح الثالث عشر ، كانت جديدة ولكنها لم تغسل ، .. وكانت بهذا المعنى كإسرائيل الذى تميز على الشوب بالعلاقة التى تربطه باللّه ، ... ولكنه رفض أن يغتسل وفى عقاب اللّه له على خطاياه ، لم يرعو أو يتعظ من هذا العقاب ، ففسد ، ولم تكن النتائج التى جاءت من السبى - وكان يمكن أن تقوده إلى حياة أفضل - إلا مخيبة للأمل ، ... وعلى الإنسان دائماً أن يلتصق بالرب ويبقى نظيفاً ، ... وقد أعطى إرميا صورة أخرى عندما ذهب إلى الفخارى فى الأصحاح الثامن عشر ليتخذ عظته مما يفعله الرجل وهو على الدولاب ، فإذا فسد الطين ، فإنه يمكن تشكيل الوعاء من جديد ، ... ولكن لا يمكن إصلاح الوعاء ، إذا اجتاز فى النار ، فإن الإبريق من الفخار لا مجال لإصلاحه إذا تحطم ، بل لا مكان له إلا الطرح فى وادى ابن هنوم ، أمام شيوخ الشعب ، وشيوخ الكهنة ، الأمر الذي يرمز إلى أمة إسرائيل ، وقد ضاع الرجاء فيها ، ولا يمكن إلا أن تكون بقايا من الخزف فى وادى ابن هنوم ، والذى أضحى رمزاً لجهنم ، مكان العذاب الأبدى ، حيث كان ترمى النفايات جميعها خارج مدينة أورشليم ، وكان مباءة للديان والجراثيم ، يجمع بين الظلمة الدائمة ، والنار التى لا تطفأ ، ومن ثم قيل : « حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ » " مر 9 : 44 " . ولا يمكن أن ننسى الخمر التى قدمها إرميا فى بيت الرب للركابيين ، الذين رفضوا شربها بناء على وصية قديمة من أبيهم يوناداب بن ركاب ، وجعلهم اللّه مثلا أمام الشعب ، مما عرضنا له بافاضه عندما تحدثنا عن شخصية يازنيا بن إرميا كبير بيت الركابيين أيام إرميا ... وما أكثر ما رؤى إرميا يتجول فى شوارع أورشليم يحمل نيراً على كتفه ، نير الثور ، الذى سيصل إليه إسرائيل فى بعده عن اللّه ، ... وفى مصر ، فى أخريات حياته ، أخذ حجارة كبيرة وطمرها فى الملاط فى الملبن الذى فى تحفنحيس رمزاً لاختفاء مصر فى مواجهة بابل القوة الصاعــــدة ، والتى لا جـــــدوى من مقاومتها ولا أمل فى الانتصار عليها !! ..

ولعل العصر الذى عاش فيه ، والظروف التى أحاطت به، يمكن أن تعطينا الصورة الصحيحة للرجل ، الذي صوره كثيرون بأنه نبى الدموع ، وآخرون نبى الفشل ، وغيرهم نبى الأحزان ، .. أو نبى التناقض ، أو فى الصورة الأدق والأصح « النبى الممزق » إذ أن الصراع الذى أحاط به ، وبعصره ، إنعكس فى أعماق نفسه صرعاً رهيباً مهولا !! .. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الإنسان كلما ازداد عظمة ، ازداد اتساعاً ، ويعتقد هيجل الفيلسوف الألمانى أن حياة العظماء تمتلئ فى العادة بالتناقضات ، وقد كان إرميا من هذا النوع ، فقد جمع ، على أعظم صورة ، بين :

الرقة البالغة ، والصلاة الفولاذية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
fouad



عدد المساهمات : 199
نقاط : 356
تاريخ التسجيل : 08/07/2009
العمر : 62
الموقع : وطني

مُساهمةموضوع: رد: إرميا...........................   الجمعة يوليو 10, 2009 1:46 am

الرقة البالغة ، والصلاة الفولاذية

وإنت لا يمكن أن تراه فى استجابته لدعوة اللّه العليا ، إلا بهذه الصورة العجيبة ، لقد أصابه الهول والفزع والوجل عندما ناداه اللّه للخدمة وصاح : « آه ياسيد الرب إنى لا أعرف أن أتكلم لأنى ولد » " إر 1 : 6 " كان - على الأغلب - فى العشرين من عمره ، وهو بطبعه حيى خجول متضع ، يتلعثم أمام المشاكل والأحداث والحوادث ، وهو الرقيق إلى حد الدموع ، فكيف يمكن لهذه الطبيعة أن تواجه الدعوة بما تشتمل عليه من صعاب تبدو كالجبال الرواسى ، والأمة تندفع بجنون نحو غروبها الرهيب ، ومن الملاحظ أنه يمثل ذلك النوع من الخدام الذين يترددون قبل قبول الخدمة ، أو يحاوولون الهروب منها ما وسعتهم المحاولة ، ... وهو يقف مع موسى الذى رفض ، فى مطلع الأمر ، الدعوة ، وهو يقول للّه : « أرسل بيد من ترسل » " خر 4 : 13 " وطبيعته أقرب إلى طبيعة يونان الذى كان أشبه بالحمامة الوادعة ، وإذ يدعوه اللّه للذهاب إلى نينوى القاسية ، يهرب إلى ترشيش ، وعلى العكس تماماً من خطة اللّه لدعوته ، ... إن هذا النوع من الخدام ، لا يستجيب لنداء الدعوة فى الحال كما استمع إليها إشعياء ليقول : « ها أنذا أرسلنى " إش 6 : 8 " أو كما قال بولس » « يارب ماذا تريد أن أفعل ، » " أع 9 : 6 ".. ولكنه مع ذلك ، عندما يقبل الدعوة إذا به « مدينة حصينة وعمود حديد وسور نحاس على كل الأرض » .. " إر 1 : 18 " أو كما وصفه أحد الشراح بأنه أصح وأقوى وأشجع أنبياء العهد القديم !! ... نحن لا نعلم كيف دعاه اللّه ، وهل تكلم إليه بصوت مسموع ، أو جاءه فى رؤيا أو ظهر له بصورة ما ، إلا أن الشئ المؤكد عند إرميا أنه أيقن من هذه الدعوة ، وصدورها من اللّه بكيفية لا تقبل إبهاماً أو تردداً أو شكاً على الإطلاق !! .. وملأه اللّه بروحه فتحولت الحمامة إلى أسد ، ... وأحس الرجل فى أعماقه بأن قوة خارقة سيطرت عليه ، لم يكن يعرفها من قبل ، هى قوة روح اللّه فيه ، ولمس اللّه شفتيه ، وجعل كلامه فى فمه !! .. فإذا قيل ، وكيف يمكن أن يكون هذا وكيف نستطيع تصوره ، أجبنا أنه عين ما حدث مع بطرس ، قبل وبعد ، يوم الخمسين - وكيف أن الجبان أمام امرأة ، هو الشجاع أمام رؤساء الكهنة والكتبة ، أو كما صوره أحدهم : نراه قبل يوم الخمسين أمام التجربة ، كمن يهرب من أسد يطارده ، وبعد يوم الخمسين نراه يركب الأسد ويسيطر عليه ، ولعلك لو سألت الكثيرين من أعظم أبطال التاريخ ، كيف يمكن أن يحدث هذا اللغز لأجابوك : إنهم أكثر الناس دهشة وتعجباً إذ أنهم عندما يخلون إلى نفوسهم ، وإلى العواطف التى تملكهم ، لأدركوا أنهم أرق وأضأل من أن يقفوا أبسط المواقف التى وقفوها ، ولكنهم أمام الأحداث والحوادث ، هم أقوى وأعظم من الأسود الكواسر !! ..

وقد بدت هذه الظاهرة بوجهها الواضح فى حياة إرميا خلال السنوات الطويلة من حياته الحافلة بالتجربة ، والضيق ، والأضطهاد ، ويكفى أن نراها عندما يخلو إلى نفسه، ويسرد اعترافاته ، التى يشبه فيها بولس وأوغسطينوس ، وقد حدثنا فى الأصحاح العشرين عن أعماقه عندما فكر أن يهجر الخدمة ومركزه النبوى : « قد اقنعتنى يارب فاقتنعت وألححت على فغلبت . صرت للضحك كل النهار كل واحد استهزأ بى ... لأن كلمة الرب صارت لى للعار وللسخرة كل النهار . فقلت لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه . فكان فى قلبى كنار محرقة محصورة فى عظامى فملك من المساك ولم أستطع » " إر 20 : 7 - 9 " ... « ملعون اليوم الذى ولدت فيه . اليوم الذى ولدتنى فيه أمى لا يكن مباركاً . ملعون الإنسان الذى بشر أبى قائلا : قد ولد لك ابن مفرحاً إياه فرحاً . وليكن ذلك الإنسان كالمدن التى قلبها الرب ولم يندم فيسمع صياحاً فى الصباح وجلبة فى وقت الظهيرة لأنه لم يقتلنى من الرحم فكانت لى أمى قبرى ورحمها حبلى إلى الأبد . لماذا خرجت من الرحم لأرى تعباً وحزناً فتغنى بالخزى أيامى » " إر 20 : 14 - 18 ".. ومن العجيب أن هذا الرقيق البالغ الرقة ، والذى تنقل من اضطهاد إلى اضطهاد ، ومن سجن إلى سجن ، وغاص فى حمأة الجب ، لم تزده هذه جميعاً إلا صلابة وجرأة وقوة شكيمة لا تقهر !! ... إن الذين عاشروا مارتن لوثر كانوا يتعجبون أشد العجب ، لأن هذا الرجل كان شاعراً رقيقاً ، يطرب للنغم الموسيقى أشد الطرب ، ويتألم أشد الألم للعصفور الصغير المهيض الجناح ، ويبكى أمام آلام الآخرين بكاء الأطفال ، ... ولكن هذا الرجل هو الذي هز أوربا ، وأرعد بصوته فزلزل الجبابرة والعتاة !! ... لأن رب الجنود سيطر عليه وغير به وجه التاريخ !! ...

الحنان الذى لا يوصف ، والقسوة الشديدة

كانت عاطفة إرميا تجل عن الوصف ، عندما جلس ذات مرة أمام نفسه ، والمدينة على وشك الهلاك والضياع صرخ : « أحشائى أحشائى . توجعنى جدران قلبى ... لا أستطيع السكوت . لأنك سمعت يانفسى صوت البوق وهتاف الحرب » " إر 4 : 19 " ... وعندما ضاق بالحياة وضاقت الحياة به إذ به يصيح « ياليت رأسى ماء وعينى ينبوع دموع فأبكى نهاراً وليلا قتلى بنت شعبى . ياليت لى فى البرية مبيت مسافرين فأترك شعبى وأنطلق من عندهم لأنهم جميعاً زناة جماعة خائنين » " إر 9 : 1 و 2 " فإذا تحولنا إلى مراثيه ، وقفنا أمام حنان ربما لم يعرفه أحد سوى ذاك الذى أطل على المدينة من جبل الزيتون وبكى عليها ، أو بولس عندما صاح : « أقول الصدق فى المسيح . لا أكذب وضميرى شاهد لى بالروح القدس ، إن لى حزناً عظيما ووجعاً فى قلبى لا ينقطع ، فإنى كنت أود لو أكون أنا نفسى محروما من المسيح لأجل إخواتى أنسبائى حسب الجسد » "رو 9 : 1 - 3" .. لقد أحب إرميا أورشليم وأحب بلاده وأحب عناثوث مدينة ومسقط رأسه ، لكنه كان فى وسطهم : « وأنا كخروف داجن يساق إلى الذبح ولم اعلم أنهم فكروا على أفكارا قائلين لنهلك الشجرة بثمرها ونقطعه من أرض الأحياء فلايذكر بعد اسمه . فيارب الجنود القاضى العادل فاحص الكلى والقلب ، دعنى أرى انتقامك منهم لأنى لك كشفت دعواى . لذلك هكذا قال الرب عن أهل عناثوث الذين يطلبون نفسك قائلين لا تتنبأ باسم الرب فلا تموت بيدنا . لذلك هكذا قال رب الجنود : ها أنذا أعاقبهم ، يموت الشبان بالسيف ويموت بنوهم وبناتهم بالجوع ، ولا تكون لهم بقية لانى أجلب شراً على أهل عناثوث سنة عقابهم » " إر 11 : 19 - 23 " .. كان إرميا هنا أقرب ما يكون من إيليا وروحه ، ولم يكن بعد قد تعلم روح المسيح الغافر ، والذى طلب إلى تلاميذه أن تبدأ كرازتهم من مدينة أورشليم التى حاربته وصلبته على هضبة الجلجثة !!

على أن أقسى موقف يمكن أن يتعرض له الإنسان فى الأرض ، هو الموقف بين الوطنية والدين ، ... كان إرميا واحداً من أعظم المحبين لبلاده وشعبه ، وكانت غيرته على المدينة التى أحبها أشد من غيرة أعظم الوطنيين فى الأرض ، ... لكنه مع ذلك وقف موقفاً شبيهاً بموقف أبيه إبراهيم فوق جبل المريا ، وهو يمد يده ليذبح ابنه إسحق،.. مع هذا الفارق أن إسحق كان مطيعاً لأبيه ، ولا عيب فيه البتة ، لكن أورشليم كانت المدينة الخاطئة التى تنتحر انتحاراً أمامه ، ... وقد كان من المؤلم والعجيب أن ينادى بعدم مقاومة الغزاة ، والاستسلام لنبوخذ ناصر ، ... ومن لى ، فى تلك الساعة ، ليرى نزيف قلبه وهو ينادى بهذه الأقوال !! .. كان يتمزق بين الحنان المرهف ، والقسوة الشديدة على المدينة التى ينادى عليها بالخراب ، ... إن السؤال الذى طرحه إرميا هو : هل نضحى بالدين فى سبيل الوطن ، ... أم نضحى بالوطن فى سبيل الدين !! ؟ .. إنه السؤال الذي يعتبر من أقسى الأسئلة التى يمتحن بها الإنسان على هذه الأرض !! ... ونحن نصلى لأنفسنا ولجميع الناس ألا يقعوا فى هذه التجربة التى وقع فيها إرميا يوماً من الأيام !! .. ولعل مما تحسن الإشارة إليه هنا هو الخلاف الفكرى العميق بين اثنين من الأمريكيين أما أولهما فكان اسمه ستيفون ديكاتور وهو ضابط من أقدر ضباط البحرية الأمريكية والذي كان شعاره : أنا مع وطنى فى الحق أو الباطل على حد سواء !! .. وقد رفض أمريكى آخر اسمه صموئيل بولند هذا الشعار وقال : أنا مع وطنى فى الحق ، ... وفى الباطل أصحح وطنى ليصل إلى الحق!!. ولعل هذا هو الوضع الصحيح لكل مؤمن مسيحى أن يحب إلهه ووطنه !! .. ولم يشذ إرميا عن هذه الحقيقة فى أعماقه وقرارة نفسه ، إذ لم يقبل الذهاب إلى بابل ، حيث أعلى له الحق فى ذلك ، ... وتنبأ فى الوقت نفسه عن بابل أقسى النبوات !! ... والحقيقة أن الرجل كان من طراز وطنى ممتاز ، ولكنه فى الوقت عينه كان أميناً فى إعلان الحق الإلهى لأمته ، حتى ولو اشتد وقسا عليها !! ... والحقيقة أن الرجل كان من طراز وطنى ممتاز ، ولكنه فى الوقت عينه كان أميناً فى إعلان الحق الإلهى لأمته، حتى ولو اشتد وقسا عليها !! ... وها نحن نرى اليوم الكثيرين من أمثال الواعظ المشهور بللى جراهام ، وهم يشبهون أمريكا ، فى الضياع الخلقى والاستباحة والشر والمجون التى استولت عليها ، بسدوم وعمورة ، ... ويصرحون ، وهم وطنيون مخلصون ، بأنها على شفا الهلاك ، ما لم ترجع إلى المسيح والإيمان المسيحى الذي قامت عليه كأعظم دولة فى الأرض !! ..

إرميا ونموذج الخادم العظيم

أما وقدأطلنا الحديث عن شخصية إرميا ومقوماته كإنسان متسع ، يبدو ممزقاً أو موزعاً بين عواطفه الذاتية ، والنداء الإلهى الموجه إليه ، فإنه يجمل بنا أن نراه كخادم أمين للّه ، وهو فى هذا المجال ، من أروع خدام اللّه العظام فى كل التاريخ ، وربما نستطيع التركيز فى الأصحاح الثانى والعشرين من سفره ، عندما كلفه اللّه بأن يذهب إلى الملك ورجاله فى القصر الملكى ليتحدث إليهم برسالة الرب ، وهنا نرى الخادم فى أجل أوصافه :
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
fouad



عدد المساهمات : 199
نقاط : 356
تاريخ التسجيل : 08/07/2009
العمر : 62
الموقع : وطني

مُساهمةموضوع: رد: إرميا...........................   الجمعة يوليو 10, 2009 1:47 am

الخادم والرسالة العلوية

قال الرب لإرميا : « انزل إلى بيت ملك يهوذا » " إر 22 : 1 " ويبدو إن إرميا كان فى الهيكل ، والهيكل كان فى أعلى بقعة ، فمن يترك الهيكل لابد سينزل نزولا جغرافياً ، لكن المعنى أشمل وأعمق من مجرد النزول الجغرافى ، إذ أن من يحمل رسالة اللّه عليه أن يدرك بأنه يحمل رسالة تعلو فى مركزها وسلطانها وأمرها على كل عظماء الأرض وسادتها ، وملوكها ، ... ويبدو أن النبى قد أمر بالذهاب إلى العائلة المالكة لأنه يعلم مدى نفوذها فى الخير أو الشر على حد سواء ، والناس على دين ملوكهم ، وينسجون دائماً على منوالهم ، إذ يرغبون فى تتبع اثارهم ومحاكاتهم وتقليدهم فى كافة الظروف والأوضاع ، وليس أدل على ذلك من أنه فى أيام الرئيس ترومان رئيس الولايات المتحدة ، بدأ هذا الرجل يلبس القمصان المشجرة ، فإذا بها تنتشر فى كل الولايات المتحدة ، بل فى العالم بأجمعه ، ... وإذا أدركنا ذلك كم يبدو لنا كقادة أو آباء أو أمهات ، عمق تأثيرنا فيمن يتطلعون إلينا ، ويسيرون فى أثرنا ويحاكوننا ، عن دراية أو عن غير دراية !! ..

ومن اللازم أن نلاحظ ههنا شجاعة النبى وبراعته وحكمته ... فالشجاعة أن تذكر القادة بأن عليهم أن يتقبلوا كلمة اللّه وأمره لا تفضلا أو تجملا بل امتثالا وخضوعاً وانتظاراً ، وعلى الخادم أن يتحرك فيذهب حاملا الرسالة ، دون أن ينتظر أن يأتى إليه السامع ، أو كما قال أحدهم ، إن من واجب الخادم ألا ينتظر من سامعيه أن يجروا وراءه ، بل من واجبه أن يخلق الاجتماع ، وعليه أن يجعل رسالته رسالة علانية واضحة ، لا أن يخفيها فى حيز ضيق صغير ، وعليه ألا يخدم فقط بين جدران الكنيسة ، حيث من السهل أن يتقبل السامعون الرسالة ، بل عليه أن يخرج إلى الخارج ليتحدث بها بين أناس قد يعادونه ويؤذونه بسببها !! ... إن الدين ليس لمن يقبلونه فقط، بل هو أيضاً للعشارين والخطاة ، ومن يظنهم الناس أنهم أبعد الجميع منه !! ..

الخادم والرسالة المشجعة

ذهب إرميا إلى الملك والقادة يحمل رسالة إيجابية مشجعة : « أجروا حقاً وأنقذوا المغصوب من يد الظالم والغريب واليتيم والأرملة لا تضطهدوا ولا تظلموا ولا تسفكوا دماً زكياً فى هــــذا الموضع » " إر 22 : 3 " وهذا وعظ إيجابى عملى واضح ، لم يحلق فيه الواعظ نحو النجوم ، أو يتحدث بلغة الفلسفة ، ولم يلجأ إلى المنحنيات والدروب فى التعبير ، بل هو كلام مستقيم لا التواء فيه ، كما أنه وعظ يبدأ بالتشجيع والترغيب قبل التوبيخ والانتهار ، وهذا يعلمنا أن نضع الشجاعة فى موضعها ، وأن نمتنع عن كل تهور واندفاع فى غير موضعهما ، بل هذا فى الواقع حسن الاستهلال الذى ينبغى أن يبدأ به الواعظ رسالته ، ليكتسب الأذان ويجتذب المشاعر ، ولم يكتف النبى بهذا التشجيع بل لوح بالوعود المباركة إذ قال : « إن فعلتم هذا الأمر يدخل فى أبواب هذا البيت ملوك جالسون لداود على كرسيه راكبين فى مركبات وعلى خيل » ( عدد 4 ) وكم كان من الواجب أ ن يشرح هذا قلب الملك لأنه سيجد حماية وحراسة رب الجنود ملك إسرائيل ، فى الوقت الذى فيه تتهدده الجيوش الأجنبية ، بل إن فى القول : « ملوك جالسون لداود على كرسيه » ... إعلان عن إمكانية عودة المملكة إلى مجدها القديم أيام داود ، وامتداد رفاهيتها وسلطانها أجيالا طويلة !! ..

الخدام والرسالة المحذرة

ومن الواضح أن إرميا ، عندما اتجه إلى أعلى الطبقات فى البلاد وأكثرها سطوة وجاهاً ونفوذاً ، لم يجعل من صفاتهم أو مناصبهم معطلاً له عن إتمام الرسالة على أكمل وجه ، وقد كان عليه أن يوجهها إليهم كما توجه إلى أضعف الناس أو أقلهم نفوذاً... ومن الوعاظ من يتحدث بالسهل اللين اليسير من الكلام ، دون التحذير الواضح، لكن إرميا لم يفعل هكذا ، ... لقد تحدث إلى الملك والقادة بأن سر عظمة المملكة يرجع أولاً وأخيراً ، إلى ما عندها من أخلاق أكثر مما عندها من مادة ، إذ لم يقل للملك أن سر النجاح والنجاة للملكة يرجع إلى ما عندها من جيوش ، وما تملك من قوات ، أو تنال يدها من ذهب ، ..

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

هذه هى الحقيقة الدائمة فى كل العصور ، وقد كان على الملك أن يجرى أولا ، الحق والعدل ، ... والحق أوسع وأشمل من العدل ، إذ أن الحق يشمل كل ما هو ضد الباطل والكذب والاستبداد والاستعباد سواء فى علاقة الناس بعضهم ببعض أو فى تصرفاتهم الفردية ، بينما يتحدث العدل عن موازنة الحقوق بين الأطراف المتنازعة ويبدو هنا أن الملك يهوياقيم كان قد داس الحق والعدل معاً ، فى أعماله ، إذ سخر الشعب فى بناء قصره ، دون أجر أو رحمة ، ... وكان الأمر الثانى معونة الضعيف ، ويبدو هذا فى الوقوف إلى جانب المغصوب ضد الظالم ، وعدم اضطهاد اليتيم والأرملة والغريب ، ويجمل بنا هنا أن نذكر أن مساعدة هؤلاء ليست مجرد عمل اجتماعى تمليه الديموقراطية أو الاشتراكية الحقة ، بل هو العمل الذى يسر به قلب اللّه !! » ..

وجدير بالذكر أن التحذير كان واضح التعبير ، ظاهر الدلالة ، وعدم الانتباه له ، سيجلب نتيجته المؤكدة ، النتيجة التى أقسم الرب بها فى خراب المملكة ، والبيت المالك معاً ، ... وكانت المأساة الكبرى أيام إرميا هى التعلق بالشكليات ، فمدينة أورشليم فى تصور شعبها مدينة محبوبة من اللّه ، ومادام الهيكل موجوداً بها ، فلا يمكن أن تمسها قوة فى الأرض ، ......... وكان حديثهـم : « هيكل الرب هيكل الرب هو » " إر 7 : 4 " .. وكأنما اللّه يسكت على الشر والفساد مادام الظاهر من الدين موجوداً ، .. وإذا باللّه يقول : "حى أنا يقول الرب ولو كان كنياهو بن يهوياقيم ملك يهوذا خاتماً على يدى اليمنى فإنى من هناك أنزعك ، وأسلمك ليد طالبى نفسك وليد الذين تخاف منهم وليد نبوخذ ناصر ملك بابل وليد الكلدانيين » ... " إر 22 : 24 و 25 " . أجل إنه من الحماقة أن يظن إنسان أو شعب أنه لمجرد أن اسم اللّه قد وضع عليه ، فإنه آمن من كل خطر أو ضرر أو شر ، مهما يرتكب من إثم أو خطية ..

أما عن يهوياقيم نفسه ، الذى قسى قلبه وأحرق الدرج ، وفعل الظلم والشر والفساد ، فقد بين له الفرق بينه وبين أبيه يوشيا : « هل تملك لأنك أنت تحاذى الأرز أما أكل أبوك وشرب وأجرى حقاً وعدلا ؟ حينئذ كان له خير . قضى قضاء الفقير والمسكين . حينئذ كان له خير . أليس ذلك معرفتى يقول الرب ؟ لأن عينيك وقلبك ليست إلا على خطفك وعلى الدم الزكي لتسفكه وعلى الاغتصاب والظلم لتعملهما . لذلك هكذا قال الرب عن يهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا : لا يندبونه قائلين آه يا أخى أو آه يا أخت ، لا يندبونه قائلين آه يا سيد أو آه ياجلالة ، يدفن دفن حمار مسحوباً ومطروحاً بعيداً عن أبواب أورشليم !! " إر 22 : 15 - 19 " .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
fouad



عدد المساهمات : 199
نقاط : 356
تاريخ التسجيل : 08/07/2009
العمر : 62
الموقع : وطني

مُساهمةموضوع: رد: إرميا...........................   الجمعة يوليو 10, 2009 1:48 am

إرميا والفكر اللاهوتى فى سفره

سنلم ببعض الأفكار اللاهوتية التى جاءت فى سفر إرميا ولعل أهمها :

كلمة اللّه

وكلمة اللّه عند إرميا تبلغ مركزها الأعلى ، إذ هى الكلمة التى ينبغى عليه أن يعلنها، وقد جاءته هو واضحة فى الدعوة إلى النبوة ، وقد وضعت هذه الكلمة باللمسة الإلهية على شفتيه ، لينادى بنتائجها البالغة للأمم والممالك ، وكلمة اللّه ليست مجرد ألفاظ ينطق بها ، بل هى الكلمة التى تحمل قصد اللّه وإرادته ، والمصحوبة بفاعليته وسلطانه ، وفى صراعه مع الأنبياء الذين إدعوا النبوة فى عصره ، كشف إرميا لهم عن إعلانات اللّه له ، وبين الفارق بينه وبينهم ، إذ أن اللّه أعلن أنه لم يرسل هؤلاء الأنبياء قط : « لم أرسل الأنبياء بل هم جروا . لم أتكلم معهم بل هم تنبأوا " إر 23 : 21 " .. ولا يستطيع الإنسان أن يتكلم باسم اللّه ، إلا بعد أن يجلس فى حضرة اللّه ، وينصت بعمق وتأمل إلى اللّه : « لأنه من وقف فى مجلس الرب ورأى وسمع كلمته ؟ من أصغى لكلمته وسمع ؟ ... ولا وقفوا فى مجلسى لأخبروا شعبى بكلامى وردوهم عن طريقهم الردئ وعن شر أعمالهم » " إر 23 : 18 ، 22 " ... إن الأنبياء المضلين يحلمون أحلاماً من ذواتهم : « قد سمعت ما قالته الأنبياء الذين تنبأوا باسمى بالكذب قائلين حلمت حلمت . حتى متى يوجد فى قلب الأنبياء المتنبئين بالكذب بل هم أنبياء خداع قلبهم ، الذين يفكرون أن ينسوا شعبى اسمى بأحلامهم التى يقصونها الرجل على صاحبه كما نسى آباؤهم اسمى لأجل البعل . النبى الذى معه حلم فليقص حلماً والذى معه كلمتى فليتكلم بكلمـــتى بالحق ما للتبن مع الحنطة يقول الرب » " إر 23 : 25 - 28 " .. « فقال الرب لى : بالكذب يتنبأ الأنبياء باسمى . لم أرسلهم ولا أمرتهم ولا كلمتهم . برؤيا كاذبة وعرافة وباطل ومكر قلوبهم هم يتنبأون لكم لذلك هكذا قال الرب عن الأنبياء الذين يتنبأون باسمى وأنا لم أرسلهم وهم يقولون لا يكون سيف ولا جوع فى هذه الأرض ، بالسيف والجوع يفنى أولئك الأنبياء » " إر 14 : 14 ، 15 " والسمة البارزة فى كلام هؤلاء الأنبياء هى تملق السامعين ، والمناداة لهم بما يطيب لهم أن يسمعوه ، ... على العكس من كلمة اللّه التى تظهر كالحنطة ، إذ قورنت بالتبن الذى تذروه الرياح ، ... وهى المطرقة التى تحطم قساوة القلوب الصلدة ، والنار التى تلهب حياة الناس ومشاعرهم وتسيطر على إرادتهم !! .. وذلك لأنها مصحوبة بفاعلية روح اللّه !! ..

معرفة اللّه

والحقيقة الثانية التى تبدت أمام إرميا : المعرفة المتبادلة مع اللّه ، معرفة اللّه له ، ومعرفته هو للّه » وهو يصف اللّه بالقول : « وأنا العارف والشاهد يقول الرب»..... وقد عرف اللّه إرميا : « قبلما صورتك فى البطن عرفتك " إر 1 : 5 " وحياته من البدء مكشوفة أمام اللّه ، وهى مكشوفة فى الأزمات : « وأنت يارب عرفتنى » " إر 12 : 3 " ، « والرب عرفنى فعرفت . حينئذ أريتنى أفعالهم » " إر 11 : 18 " ، « أنت يارب عرفت . أذكرنى وتعهدنى وانتقم لى من مضطهدى . بطول أناتك لا تأخذنى. أعرف احتمالى العار لأجلك » " إر 15 : 15 " « أما أنا فلم أعتزل عن أن أكون راعياً وراءك ولا اشتهيت يوم البلية . أنت عرفت . ما خرج من شفتى كان مقابل وجهك » " إر 17: 16 ) .. « وأنت يارب عرفت كل مشورتهم على للموت » " إر 18 : 23 " ..

كان إرميا يدرك أن اللّه يعرف حياته جملة وتفصيلاً ، بل يعرف من قبل أن يولد إرميا هذه الحياة فى كافة أو ضاعها ، وعلى وجه الخصوص ، فى الضيقات والأزمات... ومن الجانب الآخر ، كان إرميا يعرف اللّه ، وهو يختلف هنا عن غيره من الكهنة : « الكهنة لم يقولوا أين هو الرب ، وأهل الشريعة لم يعرفونى ، والرعـــاة عصوا على، والأنبياء تنبأوا ببعل وذهبوا وراء ما لا ينفع » " إر 2 : 8 " .. « أما أنا فقلت إنهم مساكين . قد جهلوا لأنهم لم يعرفوا طريق الرب قضاء إلههم » " إر 5 : 4 ".. « لأن شعبى أحمق ، إياى لم يعرفوا ، هم بنون جاهلون وهم غير فاهمين . هم حكماء فى عمل الشر ولعمل الصالح ما يفهمون » " إر 4 : 22 " .. « وتسيرون وراء آلهة أخرى لم تعرفوها » " إر 7 : 9 " .. « بل اللقلق فى السموات يعرف ميعاده واليمامة والسنونة المزقزقة حفظتا وقت مجيئها ، أما شعبى فلم يعرف قضاء الرب » " إر 8 : 7 " ... لكن إرميا كان يؤمن باليوم الآتى الذى سيقطع اللّه فيه عهداً جديداً مع شعبه : « ها أيام تأتى يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً ليس كالعهد الذى قطعه مع ابائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدى فرفضتهم يقول الرب . بل هذا هو العهد الذى اقطعه مع بيت إسرائيل ، بعد تلك الأيام يقول الرب : أجعل شريعتى فى داخلهم ، واكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لى شعباً ، ولا يعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين أعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفوننى من صغيرهم إلى كبيرهم يقول الرب ، لأنى أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد » " إر 31 : 31 - 34 " ... وقد تحقق هذا فى قول المسيح المبار ك : « وأعرف خاصتى وخاصتى تعرفنى » " يو 10 : 14 " .

نشاط اللّه فى حياة البشر

لم تكن عقيدة إرميا أن اللّه خلق الناس ليتركهم دون أن يبالى بهم كما كان يتصور توماس كارليل ، أو ليقف متفرجاً على آلامهم وأحلامهم وتعاساتهم كما كان يزعم لورد بيرون ، بل أن نشاط اللّه له الدور الكامل فى حياة الناس ، على أن هذا النشاط يختلف ولا شك عند إرميا بالنسبة للمؤمنين ، ولشعب اللّه ، وللأمم ، وللوجود كله ، ... ففى حياة النبى مثلا ، يدرك إرميا مدى تدخل اللّه فى حياته ، من مجرد دعوته التى أشار إليها فى الأصحاح الأول من سفره ، أو كما قال أحدهم : تكفى الإشارة إلى الأفعال الواردة من " عدد 5 : 10 " " صورتــــــك " " عرفـــــــتك " "قدستك " " جعلتك " " أرسلك " " آمرك " " لأنقذك " " جعلت كلامى فى فمك " " وكلتك " ... وهذه الأفعال تغطى حياة النبى جملة وتفصيلا ، مما لا يترك واردة أو شاردة ، دون تدخل اللّه ، ومن ثم نراه يقول : «عرفت يارب أنه ليس للإنسان طريقة ، ليس لإنسان يمشى أن يهدى خطواته» " إر 10 : 23 ".. وفى حياة الشعب ، مهما تلونت ظروفه ، وتغيرت ، وسواء وقع تحت التأديب أو الحض أو الوعد ، فهو الشعب المختار من اللّه: « إسرائيل قدس للرب أوائل غلته . كل آكليه يأثمون . شر يأتى عليهم يقول الرب » " إر 2 : 3 " .. « وأنا قد غرستك كرمة سورق زرع حق كلها . فكيف تحولت لى سروغ جفنة غريبة » " إر 2 : 21 " .. وهو المحبوب : "ما لحبيبتى فى بيتى . قد عملت فظائع كثيرة " " إر 11 : 15 " « قد تركت بيتى رفضت ميراثى دفعت حبيبة نفسى ليد أعدائها » . " إر 12 : 7 " .. وهو الميراث : « رعاة كثيرون أفسدوا كرمى، داسوا نصيبى ، جعلوا نصيبى المشتهى برية خربة » " إر 21 : 01 " وهو قطيع الرب : « وإن لم تسمعوا ذلك فإن نفسى تبكى فى أماكن مسترة من أجل الكبرياء، وتبكى عينى بكاء وتذرف الدموع لأنه قد سبى قطيع الرب » " إر 13 : 17 " وهو البكر : « لأنى صرت لإسرائيل أباً وأفرايم هو بكرى » " إر 31 : 9 " .. وهو المرتبط بالعهد مع اللّه : « لا ترفض لأجل اسمك ، لاتهن كرسى مجدك . اذكر ألا تنقض عهدك معناً » "إر 14 : 21 " ... « ها أيام تأتى يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً . ليس كالعهد الذى قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدى فرفضتهم يقول الرب » " إر 31 : 31 ، 32 " ... ومن المعلوم أن إرميا جاء بعد هوشع بزمن ، ... وقد اتفق الإثنان على تصوير العلاقة بين اللّه وشعبه فى صورة الزوجة والبنين ، ... يقول إرميا : « قد ذكرت لك غيرة صباك محبة خطبتك ذهابك ورائى فى البرية فى أرض غير مزروعة » " إر 2 : 2 " « ألست من الآن تدعيننى يا أبى أليف صباى أنت » " إر 3 : 4 " ... « وأنا قلت كيف أضعك بين البنين وأعطيك أرضاً شهية ميراث مجد أمجاد الأمم . وقلت تدعيننى ياأبى ومن ورائى لا ترجعين » " إر 3 : 19" .. « إرجعوا أيها البنون العصاة فأشفى عصيانكم » " إر 3 : 22 " ... هذه هى العلاقة الخاصة بين اللّه وشعبه ، مع تفوق العهد الجديد الذى يعلن لنا اللّه فيه بالروح القدس تلك الرابطة التى لا يمكن أن تنفصم أو تنقطع بين المسيح وكنيسته إلى أن يأتى فى مجيئه الثانى العتيد !! ..

ومن الواضح أن تاريخ الأمم خاضع لسيطرة اللّه وسلطانه : « والآن قد دفعت كل هذه الأراضى ليد نبوخذ ناصر ملك بابل عبدى وأعطيته أيضاً حيوان الحقل ليخدمه . فتخدمه كل الشعوب ، وابنه وابن ابنه حتى يأتى وقت أرضه فتستخدمه شعوب كثيرة وملوك عظام » " إر 27 : 6 ، 7 "... بل إن الوجود كله يخضع للسلطان الإلهى : « أنى أنا صنعت الأرض والإنسان والحيوان الذى على وجه الأرض بقوتى العظيمة وبذراعى الممدودة وأعطيتها لمن حسن فى عينى » " إر 27 : 5 " .. وهو الذى يعطى المطر : « ولم يقولوا بقلوبهم لنخف الرب إلهنا الذى يعطى المطر المبكر والمتأخر فى وقته يحفظ لنا أسابيع الحصاد المفروضة » " إر 5 : 24 ".. « هل يوجد فى أباطيل الأمم من يمطر ، أو هل تعطى السموات وابلا ، أما أنت هو الرب إلهنا فنرجوك لأنك أنت صنعـت كل هذه » " إر 8 : 7 " .. كان إرميا يؤمن بالتدخل والنشاط الإلهى ، فى كل شئ ، فى حياة الجميع بصورة كاملة دائمة كل يوم !! .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
fouad



عدد المساهمات : 199
نقاط : 356
تاريخ التسجيل : 08/07/2009
العمر : 62
الموقع : وطني

مُساهمةموضوع: رد: إرميا...........................   الجمعة يوليو 10, 2009 1:48 am

الخطية والدينونة والتوبة والخلاص

أعلن اللّه لشعبه إرادته المقدسة ، وقد أعلنها فى التوراة وعن طريق الكهنة والأنبياء، وكان المطلوب من إسرائيل أن يخضع لهذه الإرادة الإلهية ويتمسك بها : «هكذا قال الرب : لا يفتخرن الحكيم بحكمته ، ولا يفتخر الجبار .. بجبروته ، ولا يفتخر الغنى بغناه ، بل بهذا ليفتخرن المفتخر : بأنه يفهم ويعرفنى أنى أنا الرب الصانع رحمة وقضاء وعدلا ً فى الأرض لأنى بهذه أسر يقول الرب » " إر 9 : 23 ، 24 " وقد سبقت الإشارة إلى أن هذه ليست مجرد قواعد أدبية أو خلقية ، بل هى أوامر إلهية أعطاها اللّه إفصاحاً عن طبيعته وكمالاته الإلهية ، وهو لهذا يسر بها ، فخروج شعبه عنها ، أو خروج الإنسان عنها ، هو الضياع بعينه : ً« هل بدلت أمة آلهة وهى ليست آلهة . أما شعبى فقد بدل مجده بما لا ينفع » " إر 2 : 11 " .. ، وهو السير وراء الباطل : « هكذا قال الرب ماذا وجد فى اباؤكم من جور حتى ابتعدوا عنى وساروا وراء الباطل وصاروا باطلاً " إر 2 : 5 "، وهو الشرود والنسيان : « لماذا قال شعبى قد شردنا لانجئ إليك بعد . هل تنسى عذراء زينتها أو عروس مناطقها . أما شعبى فقد نسينى أياماً بلا عدد » " إر 2 : 31 ، 32 " وهو الأعوجاج : « لأنهم عوجوا طريقهم» " إر 3 : 21 " .. وهو الزنا : « لأنك على كل أكمة عالية وتحت كل شجرة خضراء أنت اضطجعت زانية » " إر 2 : 20 " .. « حقاً أنه كما تخون الامرأة قرينها هكذا خنتمونى يا بيت إسرائيل يقول الرب » " إر 3 : 20 " ، وهو المرض : « ارجعوا أيها البنون العصاة فأشفى عصيانكــــم » "إر 3 : 22 " ، والدينونة الواقعة على الشعب ، والعقوبة القاسية ، لأن الخطية تمكنت منهم وتغلغلت فى حياتهم ، وأصبحوا كأتان الفرا التى فى شهوتها تستنشق الريح " إر 2 : 24 " .. أو فى الصورة الأخرى : « هل يغير الكوشى جلده أو النمر رقطه ؟ فأنتم أيضاً تقدرون أن تصنعوا خيراً أيها المتعلمون الشر » " إر 13 : 13 " . « سمعاً سمعت أفرايم ينتحب . أدبتنى فتأدبت كعجل غير مروض . توبنى فأتوب لأنك أنت الرب إلهى . لأنى بعد رجوعى ندمت ، وبعد تعلمى صفقت على فخذى . خزيت وخجلت لأنى حملت عار صباى . هل إفرايم ابن عزيز لدى أو ولد مسر ، لأنى كلما تكلمت به أذكره بعد ذكراً ، من أجل ذلك حنت أحشائى إليه . رحمة أرحمه يقول الرب » " إر 31 : 18 - 20 " ..

كان إرميا نبى الدموع ، ولن يعرف العالم مرة أخرى شيئاً أعظم أو أروع أو أنبل من مراثيه ، ومع أن العالم عرف كثيراً من الأحزان والمآسى فى كل العصور ، ... لكنه لم يعرف واعظاً ، وكاتباً ، وراثيا مرة أخرى كإرميا ، وإذا كانت القديسة تريزا قد قالت : إن الدموع تكسب كل شئ ، ... فإن دموع إرميا التى بدت كما لو أنها ضاعت على أطلال أورشليم الخربة ، إلا أنها ، - ويا للعجب - لم تنفد إلى الآن ، فقد تحول رأسه فعلاً إلى ماء لا يكف عن العطاء ، وعيناه إلى دموع ، ما يزال ينهل الوعاظ منها عبرة ومثالا وهم يبكون على قتلى الخطية نهاراً وليلاً فى الطريق المنحدر إلى الضياع الأبدى ، والعذاب والتعاسة ، فى جهنم التى كتب على بابها دانتى فى الكوميديا الإلهية : « أيها الداخل إلى هذا المكان ودع الرجاء إلى الأبد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
إرميا...........................
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى يسوع الفادى :: الكتاب المقدس :: شخصيات من الكتاب المقدس-
انتقل الى: